أنا كاتب , و لن أسكت عن الحق بعد اليوم. كلما نظرت حولي رأيت وجهاً جديداً للحقيقة. طبقات تعلوها طبقات من القصص و الحكايات , في ثناياها تختبئ شظايا و أشلاء , بقايا و آثار تركتها الحقيقة و هي تتسلل عبر دهليز الكذب. لكل امرء أقابله حكاية , أولها كذب و ادعاء , أوسطها حقيقة عمياء , و في عمقها عالم من الأحاسيس , كأنه لوحة تتطير بالألوان. أولها سواد الظلم و الطغيان. و في قلبها أثر من الأبيض يرسم بصيصاً للأمل. أعلاها زرقة حزينة تشكو من الحاجة و النقصان. و دونها حمرة ملتهبة تتأجج شغفاً و عزيمة , تنادي الكون و تصيح أن لا عزيمة , كعزيمة الإنسان. و غيرها ألوان و ألوان. لون ورد لمن فضله الله و كتب له حبيباً يضفي الدفء على حياته خلال أبرد أيام الخريف. و الأصفر لمن أحب و لم يلقى بحبيبه سوى الجفاء و النكران , فضل قائماً على سعادة حبيبه ما دام الزمان. و الأخضر يذكر أيام شباب ولَت و صحة فنت و ذكريات من صباً غابر. و البني لمن صمد و جالد عبر العواصف و ما ترميه الأقدار من عوائق. و البنفسجي لمن فقد الأمل و قضى عمراً ينتظر الموت. أنا كاتب , و لن أسكت عن الحق بعد اليوم.
في كل يوم أنظر إلى نفسي في المرآة فأغوص في أعماق وجداني , أصارع من فؤادي بحراً لجياً , العواطف فيه أمواج عاتية تتخبط بعقلي , كعصف الرياح بشجر التفاح. فإذا فقدت الأمل و يأست من العثور على حقيقة لا تريد ان يعثر عليها , نظرت حولي و إلى طبقات نفسي فوجدت أن عيني هما المرآة , و أن روحي هي انعكاس ملحون للكون المستميد حولي. و إن كنت أنا مرآةً تعكس في كل يوم وجهاً لحقيقة لا وجه لها , فغيري ألوف مؤلفة من المرايا. إذا جمعت و استمع إلى ما لديها من الحكايا , عكست كل واحدة منهن وجهاً للحقيقة , في كل رواية روتها. و يوم تروى كل الروايات , يوم ترتب كل الآثار و البقايا , يوم تجتمع الأشلاء و تجبر الشظايا , ستظهر الحقيقة على أوضح وجوهها. و إلى أن يحين ذلك اليوم , أنا كاتب , و لن أسكت عن الحق بعد اليوم.
و سأظل أحكي. سأظل أستمع إلى الناس , أبحث عن الضال في أجداث ذكرياتهم , و أروي قصصهم بكل ما أعانني عليه الخالق من بلاغة و فصاحة. و إن كنت لا يسمع لي رأي سأظل أحكي. و إن كنت أحمق لا أمد للحكمة بصلة سأظل أحكي. و إن كنت أرذل الناس و أدناهم مقاماً سأظل أحكي. و إن انتهى بي المطاف في كبد الصحراء ليس لي غير سكين أذبح بها قوتي من السحالي سأظل أحكي. و لو علمت أنني لن أري من متع الحياة مقدار حبة من خردل سأظل أحكي. و لو عشت حياتي و لقيت مماتي و حيداً بلا صاحبة ولا ولد سأظل أحكي. حتى إذا لقيت خالقي و سائلني ماذا صنعت بعمرك , قلت له حكيت. فإن قال لي , إنك لم يكن أحد يسمع لك حديثاُ , سأقول له إنني قبل أن أقدم الأسباب و أتوكل , إني قد نويت. فإن سألني و هو أدرى بنواياي , ماذا نويت؟ قلت نويت أني أنا كاتب , و لن أسكت عن الحق بعد اليوم.

